أحمد ياسوف
393
دراسات فنيه في القرآن الكريم
إن المفردات القرآنية المصوّرة بأصواتها بحاجة شديدة إلى دراسة صوتية معيارية ، فإذا كانت مستورة خفيّة ، فإن الذوق العادي يمرّ بها عابرا ، وتحتاج إلى ذوق ودربة وثقافة صوتية . ويطيب لنا في ختام هذه الفقرة أن نورد رأي الدكتور درويش الجندي الذي يعضد رأينا في شفافية رمز الموسيقا القرآنية ، فقد قال : « وإذا علمنا أيضا أن موسيقا القرآن الكريم أحد عوامل البيان والوضوح في تصوير المعاني ، وإبراز الأفكار ، عرفنا الفرق الشاسع بين هدف الموسيقا هنا ، وبين هدفها في الرمزية الأوروبية ، إذ كانت تهدف من وراء الموسيقا الإيحاء المبهم الغامض الذي يتحقق في جوّ موسيقي تكون فيه الأنغام هي الناطقة فقط ، مع تعمّد كتم أنفاس الوسائل الأخرى التي تعين على الإبانة والإفصاح ، لتحقيق الغموض المنشود » « 1 » . فالقصد في القرآن ليس فنا خالصا ، كما هي الحال في بعض الأدب إذ تكون الكلمات غمغمات وتأوّهات فارغة ، ذلك لأن الغموض فيه رغبة منشودة ، وهذا أدعى إلى العبث والفوضى ، وتعالت كلمات اللّه عن هذا الإسفاف ، فالقرآن كتاب كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ هود : 1 ] ، وفيه تتكاتف الجزئيات لأجل الوضوح والتأثير الأقوى . ولم تستعص كلمات هذا الكتاب على كل من قدّم جهدا فكريا في تفسير معانيه ، كما لم تتخفّ معالمه الجمالية على كل متذوّق عالم ، قال تعالى : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ القمر : 17 ] ، وقال : فَإِنَّما يَسَّرْناهُ بِلِسانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا [ مريم : 97 ] . ولا بد من إبعاد حتمية الأونوماتوبيا كما يتصوّر بعض الدارسين ، فإنّ
--> ( 1 ) الرمزية في الأدب العربي ، د . درويش الجندي ص / 193 .